مقدمة تفسير الرؤيا و الأحلام

img

مقـــــــدمة

الحمد لله الذي جعل النوم سباتا وخلق الناس اشتاتا وبسط الأرض لهم فراشا وجعل الليل لباسا والنهار معاشا والصلاة والسلام على البشير والسراج المنير محمد النبي الرسول الذي البسه الله تعالى حلة الكرامة وتاج القبول ورضوان الله تعالى على اله الأبرار وأصحابه الأئمة الأخيار وعن جميع التابعين لهم بإحسان إلى آخر الزمان

أما بعد:

لما كان علم التعبير للرؤيا المنامية من العلوم الرفيعة المقام وكانت الأنبياء صلى الله وسلم عليهم يعدونها من الوحي إليهم في شرائع الأحكام وقد ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها الرجل او ترى له في المنام على حسب ما ورد في الحديث عن  سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام أردنا أن نجمع كتابا في هذا الشأن يكون مرتبا على حروف المعجم ليسهل التناول منه على كل إنسان

وهذا المسلك مسلك جمع مواد التعبير وترتيبها على حروف المعجم قد سلكه علماء أجلاء من قبل كابن غنام في” المعلم على حروف المعجم “وكتاب ” تعطير الأنام في تفسير الأحلام ” للنابلسي

وقبل أن نشرع في المراد نستعين برب العباد في توضيح بعض المصطلحات في علم التعبير:

علم تعبير الرؤيا :

هو تفسير الرؤيا بما يؤول إليه أمرها

قال الكرماني : “ الفصيح : العبارة لا التعبير وهو : التفسير والإخبار بما يؤول إليه أمر الرؤيا والتعبير خاص بتفسير الرؤيا وهي العبور من ظاهرها الى باطنها

حقيقة علم التعبير :

يظن بعض الناس ان علم تعبير الرؤيا رجم بالغيب وأنه لا حقيقة  له وهذا خطأ

فمما لا شك فيه ان علم تعبير الرؤيا علم صحيح دل على صحته كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والواقع المحسوس يشهد بذلك

فمن كتاب قوله عز وجل “وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث “يوسف 6”

وقوله تعالى :”وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث”يوسف 21″

وقوله عزوجل :”قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل ان يأتيكما ذلكما مما علمني ربي””يوسف 37″

والمراد بتأويل الأحاديث هو :تعبير الرؤيا وقد سماه الله علما

وقال السعدي عند تفسير سورة يوسف : “إن علم التعبير من العلوم الشرعية وإنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه وإن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى لقوله للفتيين :”قضي الأمر الذي فيه تستفتيان”يوسف41”

وقال الملك :”أفتوني في رءيى”يوسف 43″ وقال الفتى ليوسف :” أفتنا في سبع بقرات”يوسف42″

الآيات فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم

وقال : ومنها _أي :من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة _: فضيلة العلم علم الأحكام والشرع وعلم تعبير الرؤيا وعلم التدبير والتربية ….وقال : فإن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده

تعريف المعبر :

المعبر : هو من يقوم  بتفسير الرؤيا وسمي بذلك لانه يعبر بالرموز والإشارات التى يراها النائم في منامه الى عالم الواقع المحسوس

ومن الأحلام التي يراها النائم في منامه ما تكون واضحة الدلالة لا تحتاج الى معبر ومنها ما يشكل على صاحبه فلا يستطيع فهم او إدراك المراد منه إلا بواسطة معبر يختص بتفسير الرؤى وتأويلها

شروط معبر الرؤيا وصفاته وما يحتاج اليه :

ولان كل علم يطلب فأصوله لا تختلف ومقاييسه لا تتغير والطريق إليه قاصد والسبب الدال عليه واحد خلا التأويل فإن الرؤيا تتغير عن أصولها باختلاف أحوال الناس في هيئاتهم وصناعاتهم وأقدارهم وأديانهم وهممهم و إرادتهم وباختلاف الأوقات والأزمان فلأنها مرة مثل مضروب يعتبر بالمثل والنظير ومرة مثل مضروب يعتبر بالضد والخلاف ومرة تنصرف عن الرائي لها إلى الشقيق أو النظير أو الرئيس ومرة تكون اضغاثا

ولأن كل عالم بفن من العلوم يستغني بآلة ذلك العلم لعلمه خلا عابر الرؤيا فإنه يحتاج إلى :

1 أن يكون عالما بكتاب الله عز وجل

2 وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتعبرهما في التأويل

3 وبأمثال العرب

4 والأبيات النادرة

5 واشتقاق اللغة

6 والألفاظ المبتذلة عند العوام

وأن يكون مع ذلك :

7 أديبا لطيفا ذكيا

8 عارف بهيئات الناس وشمائلهم وأقدارهم وأحوالهم

9 عالما بالقياس

10 حافظا للأصول

ولن تغني عنه معرفة الأصول إلا أن يمده الله بتوفيق يسدد حكمه للحق ولسانه للصواب وأن يحضره الله تعالى تسديده حتى يكون : طيب الطعمة نقيا من الفواحش طاهرا من الذنوب

فإذا كان كذلك أفرغ الله عليه من التوفيق ذنوبا وجعل له من مواريث الأنبياء نصيبا

الفرق بين الكاهن والمعبر :

قال تعالى : ” فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين”سبأ 14 وقوله تعالى في تكذيب الكهانة :”ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون” الحاقة42

قال الواحدي : الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات وقد ذم الشرع الكل لتفرده تعالى بعلم الغيب والتعبير هو علم تظهر به المغيبات وله أصل في الشريعة

مايستحب عند سماع الرؤيا :

يستحب للعابر عند سماع الرؤيا من رائيها وعند امساكه عن تأويلها لكراهتها ولقصور معرفته عن معرفتها أن يقول :خيرا رايت ؛خير لك وشر لأعدائك ؛ خير تؤتاه وشر تتوقاه ؛ هذا إذا ظن أن الرؤيا تخص الرائي .

وإن ظن أن الرؤيا للعالم ؛ قال : خير لنا ؛ وشر لعدونا ؛ خير نؤتاه وشر نتوقاه ؛ والخير لنا؛ والشر لعدونا .

أقرب ما تخرج الرؤيا إذا رؤيت آخر الليل :

روي أن ابن سيرين قال: من رأى رؤيا أول الليل فإنه ينتظر بها إلى عشرين سنة مما دون ذلك ويقاس على الليل وعلى السنين ويعرف ما مضى من الليل وينقص من السنين بقدره مثاله إذا مضى من الليل نصفه ينتظر الرؤيا إلى عشر سنين فما دون ذلك ويقاس على ذلك .

ومن رأى رؤيا بعد الصبح فإنه ينتظر لها مدة شهر وما دون ذلك وكذلك رؤية النهاروقد ظهرت رؤية يوسف عليه السلام بعد عشرين سنة فلأجل ذلك حد آخر انتظار الرؤيا عشرين سنة.

***هذا غير ثابت ولا دليل عليه***

تعبير الرؤيا باختلاف الهيئات والأزمان والأوقات :

قال ابن قتيبة : ولما كانت الرؤيا _على ما أعلمتك _من اختلاف مذاهبها ؛وانصرافها عن أصولها ؛بالزيادة الداخلة ؛والكلمة المعترضة ؛وانتقالها عن سبيل الخير إلى سبيل الشر ؛باختلاف الهيئات ؛واختلاف الأزمان؛والأوقات ؛وأن تأويلها قد يكون مرة من لفظ الاسم ؛ومرة من معناه؛ومرة من ضده ومرة من كتاب الله ؛ومرة من الحديث ؛ومرة من البيت السائر والمثل المشهور_احتجت إلى أن أذكر قبل ذكر الأصول أمثلة في التأويل ؛لأرشدك بها إلى السبيل.

التأويل بالأسماء :

تحمله على ظاهر اللفظ ؛كرجل يسمى “الفضل” تتأولها إفضالا؛ورجل يسمى “راشدا” تتأوله :رشدا ؛ أو “سالما”تتأوله : سلامة ؛ وأشباه هذا كثير

عن أنس ؛أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”رأيت الليلة كأني في دار عقبة بن رافع ؛ فأتينا برطب ابن طاب ؛فأولت:الرفعة لنا في الدنيا والآخرة ؛وأن ديننا قد طاب “1

فأخذ من “رافع “الرفعة وأخذ طيب الدين من “رطب ابن طاب”

فالسفرجل:إن رآه راء ولم يكن في الرؤيا مايدل على أنه مرض ؛تأوله سفرا .

التأويل بالقرآن :

فكالبيض : يعبر بالنساء ؛ لقوله عز وجل :”كأنهن بيض مكنون” الصافات49

وكالخشب : يعبر بالنفاق ؛ بقول الله عز وجل :”كأنهم خشب مسندة “المنافقون4

وكالحجارة : تعبر بالقسوة؛بقول الله عز وجل:”ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة او أشد قسوة”البقرة74

وكالسفينة : تعبر بالنجاة ؛لأن الله تعالى نجى بها نوح ومن كان معه.

وكالماء : يعبر في بعض الأحوال بالفتنة ؛لقول الله تعالى:”لأسقيناهم ماء غدقا×لنفتنهم فيه “الجن 16_17

وكاللحم الذي يؤكل : يعبر بالغيبة ؛ لقول الله :”أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ” الحجرات12

وكالمستفتح بابا بمفتاح : يعبر بالدعاء ؛لقول الله _جل جلاله_:”إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ” الأنفال19_يريد إن تدعوا.

وكالمصيب مفتاحا في المنام ؛ او مفاتيح : يعبر بأنه يكسب مالا؛ لقوله عز وجل في قارون : “ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة ” القصص76.يريد:أمواله,سميت أموال الخزائن مفاتيح ,لأن بالمفاتيح يوصل إليها

وكالملك : يرى في المحلة أو البلدة؛أو الدار وقدرها يصغر عن قدره وينكر دخول مثلها مثله : يعبر ذلك بالمصيبة والذل ينال أهل ذلك الموضع ؛لقوله عز وجل : “إن الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة اهلها أذلة  وكذلك يفعلون”النمل34

التأويل بالحديث :

فالغراب :هو الفاسق ؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم “سماه فاسقا”و”الفارة”هي المراة الفاسقة ؛ لأنه سماها :”فويسقة”

والضلع : هي المراة ؛ “لأن المراة خلقت من ضلع أعوج”

والقارورة :هي المراة ؛ لقوله لأنجشة الحادي لما حدا بالظعن :”إياك والقوارير”

التأويل بالمثل السائر واللفظ المبذول :

كقولهم في الصائغ : إنه رجل كذوب؛لما جرى على ألسنة الناس من قولهم :”فلان يصوغ الأحاديث”؛ إذا كان يضعها

وسمع أبو هريرة قوما يقولون : خرج الدجال فقال:”كذبة كذبها الصواغون”

وكقولهم في المجبر: إنه ملك كثير الصنائع لما جرى على ألسنة الناس من قولهم لمن نعش فقيرا :”قد جبره معروفه”

التأويل بالضد والمقلوب :

كقولهم في البكاء : انه فرح ؛ مالم يكن معه رنة ؛ ولا صوت ؛ وفي الفرح والضحك : إنه حزن

وقولهم في الوالي يرى عهده أتاه : إنه العزل ؛ وإن راى ذلك من ليس بوال : إنه ابتداء ولايته

وقولهم في الرجلين يصطرعان والصبيين يقتتلان إذا كانا من جنس واحد:إن المصروع هو الغالب والصارع المغلوب

وكقولهم في الفيج : انه الماسح؛وفي الماسح:إنه الفيج

وفي الرجل يرى أنه يحتجم : إنه يكتب عليه صك أو شرط ويرى أنه يكتب عليه  صك أو شرط:إنه يحتجم

ويرى أنه  يدخل قبرا : فإنه يسجن أو يرى أنه يسجن في موضع مجهول الأصل والهيئة ولا مخرج منه :فإنه يقبر ؛فإن كان السجن معروفا :أصابه هم أو حزن

وكقولهم في الحرب : إنه طاعون وفي الطاعون :إنه حرب

تعبير الرؤيا بالزيادة والنقص : كقولهم في البكاء : إنه فرح فإن كان مع رنة :كان مصيبة وفي الضحك :إنه حزن فإن كان تبسما:كان صالحا

وكقولهم في جوز : إنه مال مكنوز فإن سمعت له قعقعة فهو خصومة

وفي الدهن إن أخذ منه بقدر : إنه زينة فإن سال على الوجه فهو غم وإن كثر على الراس :كان مداهنة للرئيس

وفي الزعفران : إنه ثناء حسن فإن ظهر له لون في ثوب أو جسد فهو مرض أو هم

وفي الضرب : إنه كسوة فإن ضرب وهو مكتوف :فإنه كلام سوء يثنى عليه لا يمكنه دفعه.

وفي من رأى أن له ريشا وجناحا :فهو له رياش وخير فإن طار بجناحيه سافر في سلطان بقدر ما علا على الارض

تعبير الرؤيا بالوقت :

كقولهم في راكب الفيل:أنه ينال أمرا جسيما قليل المنفعة وإن راى ذلك في نوم النهار :طلق امرأته أو أصابه بسببها سوء

وفي الرخمة :إنها إنسان أحمق قذر فإن رؤيت في نوم النهار :فإنها مرض

وأصدق أوقات الرؤيا بالليل :الأسحار وبالنهار:القائلة

وأصدق الأزمان من السنة :وقت انعقاد النوار ووقت ينع الثمر وإدراكه وأضعفها:الشتاء

ورؤيا النهار أقوى من رؤيا الليل

وقد تتغير الرؤيا عن أصلها باختلاف هيئات الناس وصناعاتهم وأقدارهم وأديانهم فيكون لواحد رحمة وعلى الآخرعذابا كالغل يراه الرجل في يده :فهو مكروه لقول الله عز وجل :”غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا”  المائدة64 وقوله :”إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا”يس8الاية.وقد يراه الرجل البر؛ فيصرف إلى أن يده تقبض عن البشر.

التأويل بالشعر:

قال أبو اليقظان :تزوج رجل امراة فعاهد كل واحد منهما صاحبه ألا يتزوج الآخر بعده؛ومات الرجل ؛فلما انقضت عدة المراة؛أتاها النساء فلم يزلن بها حتى تزوجت.

فلما كانت ليلة هدائها؛أغفت بعدما هيئت ؛فإذا هي بالرجل آخذا بعضادتي الباب ؛ يقول: ما أ سرع ما نسيت العهد يا رباب؛ ثم قال :

حييت ساكن هذا البيت كلهم        إلا الرباب فإني لا أحييها

أمست عروسا وأمسى منزلي جدثا      إن القبور توارى من ثوى فيها

فانتبهت فزعة ؛فقالت :والله لا يجمع رأسي ورأسه بيت أبدا ثم تخالعا

آداب قاص الرؤيا :على طالب التعبير أن يتحلى بآداب عديدة ؛ليتم له المراد من تفسيره؛وهذه الآداب هي:

الأول:استعبارها  عند العالم الناصح الشفيق .

الثاني :الصدق التام عند سرد الرؤيا.

الثالث:الدقة في سرد الرؤيا.

الرابع:الا يقص المنام المخيف علي أحد أبدا:

الخامس:أن يقص رؤياه علي المعبر بنفسه.

السادس:ألا يجهد نفسه بتذكر الرؤيا.

السابع:أن يكون صبورا ولا يستعجل التعبير .

الثامن:ألا يستعجل تحقق الرؤيا.

التاسع:الأدب في طرح السؤال علي المعبر.

العاشر:أن يخبر معبر الأحلام عن وضعه.

الحادي عشر:ألا يعتقد اعتقادا جازما بمصداقية المعبر وصدق التعبير.

الثاني عشر:إجلال العالم المعبر.

وختاما:فهذا جهد المقل ؛ فما كان من توفبق فمن الله وحده ؛ وماكان من سهو او خطأ أونسيان فمني ومن الشيطان ؛ والله ورسوله منه براء.فنسأل الله سبحانه أن يغفر لنا ويتجاوز عن زلاتنا ؛إنه ولي ذلك والمقادر عليه ؛ونسأله سبحانه أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم . وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين . وصلي الله علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

من كتاب تفسير الأحلام و تعطيره و تعبيره و إشاراته إعداد صابر جلال مؤسسة زاد للنشر والتوزيع

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

error: Content is protected !!